الأصالة والمعاصرة .. ثمانية عشر عاما من صناعة التحول في المشهد السياسي المغربي

ثمانية عشر عاما في عمر حزب سياسي ليست مجرد مناسبة للاحتفال؛ إنها مسافة زمنية كافية لكي تتحول الفكرة إلى تجربة، والتجربة إلى ذاكرة، والذاكرة إلى سؤال حول المستقبل.

فمنذ أن ظهرت حركة لكل الديمقراطيين، كان السؤال يتجاوز فكرة تأسيس تنظيم سياسي جديد: كيف يمكن إعادة الحيوية إلى مشهد حزبي يحتاج إلى التجديد؟ وكيف يمكن بناء عرض سياسي يجمع بين التشبث بأصالة المغرب وثوابته، والانفتاح على قيم الحداثة والديمقراطية والتنمية والمواطنة؟.

من هذا السؤال وُلدت الفكرة، وفي غشت 2008 تحولت إلى حزب الأصالة والمعاصرة، بعد اندماج خمسة أحزاب سياسية هي: الحزب الوطني الديمقراطي، وحزب العهد، وحزب البيئة والتنمية، وحزب رابطة الحريات، وحزب مبادرة المواطنة والتنمية.

وهكذا دخل «البام» المشهد السياسي المغربي في لحظة لم يكن فيها المطلوب مجرد حزب جديد، وإنما نَفَس سياسي جديد؛ حزب يختبر إمكانية تجاوز القوالب التقليدية، واستيعاب طاقات سياسية وفكرية ومدنية مختلفة، وتحويل هذا التنوع إلى مشروع سياسي قابل للحياة.

من التأسيس إلى ترسيخ الذات

لم تكن القيادات التي تعاقبت على الأمانة العامة مجرد أسماء متتالية في تاريخ الحزب، بل شكلت كل واحدة منها محطة في تطور تجربته، واختباراً جديداً لمشروعه.

مع حسن بنعدي، كان الرهان الأول هو التأسيس: بناء التنظيم، وصياغة الهوية، وتحويل الفكرة إلى مشروع سياسي قادر على تثبيت موقعه داخل المشهد.

ومع محمد الشيخ بيد الله، انتقل الحزب من سؤال التأسيس إلى سؤال التوسع والتجذر، وأصبح التحدي هو إثبات أن تجربة «البام» ليست عابرة، وأن بإمكانها أن تتحول إلى قوة سياسية وتنظيمية وازنة.

ثم جاءت مرحلة إلياس العماري، التي شكلت محطة بارزة في صعود الحزب إلى قلب المعادلة السياسية. توسع حضوره في البرلمان والجماعات الترابية والجهات، وأصبح منافساً جدياً على المراتب المتقدمة، ولم يعد السؤال هو ما إذا كان «البام» قادراً على الاستمرار، بل إلى أي مدى يمكن أن يذهب في صناعة التوازنات السياسية.

ومع حكيم بنشماش، دخل الحزب مرحلة إعادة ترتيب البيت ومراجعة الذات في سياق سياسي وتنظيمي معقد؛ وهي مرحلة كشفت أن قوة التنظيمات السياسية لا تقاس فقط بنتائجها الانتخابية، وإنما أيضاً بقدرتها على النقد الذاتي، وإعادة بناء العلاقة بين القيادة والقواعد، وبين المشروع والهياكل.

ثم جاءت مرحلة عبد اللطيف وهبي بما حملته من جرأة سياسية واختبارات جديدة. كان الرهان هو إعادة بناء الثقة، وترميم البيت الداخلي، وتجديد الخطاب، ثم الانتقال، بعد انتخابات 2021، من موقع المعارضة إلى موقع المشاركة في الحكومة.

وهنا دخل حزبنا امتحاناً مختلفاً: فالمعارضة تراقب وتنتقد وتقترح، أما التدبير فيضع الفاعل السياسي أمام مسؤولية الإنجاز، وإنتاج السياسات العمومية، والمحاسبة أمام المواطن.

فبراير 2024، اختار المؤتمر الوطني الخامس للحزب أن يفتح صفحة جديدة، من خلال قيادة جماعية للأمانة العامة، تقودها فاطمة الزهراء المنصوري إلى جانب محمد مهدي بنسعيد وفاطمة سعدي؛ ولم يكن الأمر مجرد تغيير في تركيبة القيادة، وإنما حمل دلالة سياسية وتنظيمية أعمق: الانتقال من مركزية الأشخاص إلى قوة المشروع والمؤسسة والعمل الجماعي، لقد اختار حزبنا أن يجعل من تجديد الذات الحزبية عنواناً لمرحلة جديدة؛ تجديداً لا يعني القطيعة مع الماضي، وإنما امتلاك الشجاعة لقراءته، والاستفادة من دروسه، وفتح المجال أمام كفاءات وأجيال جديدة، ولعل هذه واحدة من أهم لحظات النضج في مسار الحزب: أن يدرك أن استمرارية المشروع لا ينبغي أن تكون رهينة بالأشخاص، وأن قوة الحزب تكمن في قدرته على إنتاج قياداته وتجديد أدواته وتوسيع قاعدة المشاركة في صناعة القرار.

كيف حرّك «البام» المياه الراكدة؟

قد تختلف القراءات حول حزب الأصالة والمعاصرة، وقد يختلف السياسيون والمحللون في تقييم محطاته وقراراته، لكن من الصعب إنكار حقيقة أساسية كونه ساهم في تحريك المشهد الحزبي المغربي وإعادة طرح أسئلة كانت تحتاج إلى أجوبة جديدة.فقد دخل الحزب إلى الساحة بتركيبة غير مألوفة، جمعت شخصيات وطاقات من خلفيات سياسية وفكرية ومدنية متعددة، وفرض بذلك على الأحزاب الأخرى، وعلى المشهد السياسي برمته، إعادة التفكير في كثير من طرق الاشتغال والخطاب والعلاقة مع المجتمع.

فأعاد طرح أسئلة حول موقع الشباب والنساء والكفاءات، وحول قدرة الأحزاب على استقطاب نخب جديدة، وعلى الانتقال من منطق المحافظة على المواقع إلى منطق المنافسة على المشاريع والأفكار.

ومن هنا، فإن قراءة تجربة الأصالة والمعاصرة ليست قراءة لتاريخ حزب فقط؛ إنها، إلى حد بعيد، قراءة لتحولات عرفها المشهد السياسي المغربي خلال ما يقارب عقدين، فالحزب الذي بدأ من حركة سياسية وفكرية، أصبح فاعلاً انتخابياً ومؤسساتياً، انتقل من المعارضة إلى المشاركة في الحكومة، وخاض تجربة التدبير، وعاش لحظات صعود وتراجع، واختلاف ومراجعة، ثم اختار أن يجدد بنيته القيادية.

وهذه القدرة على التحول من داخل التجربة نفسها هي، في تقديري، واحدة من أهم عناصر قوة الحزب.

دون أن ننسى أن حضور المرأة في صناعة القرار داخل الحزب شكل دلالة قوية تستحق التوقف عندها في هذه الذكرى، فأن تصل امرأة مغربية إلى قيادة حزب من حجم الأصالة والمعاصرة، وأن تكون في قلب مرحلة جديدة من تاريخه، ليس مجرد مكسب تنظيمي؛ إنه تعبير عن تحول أوسع في الثقافة السياسية المغربية، والأهم أن حضور المرأة لم يعد يُختزل في التمثيلية أو المشاركة الانتخابية، وإنما أصبح مرتبطاً بمواقع القرار وصناعة الرؤية وتحديد الأولويات.

ومن هذه الزاوية، فإن القيادة الجماعية التي تضم امرأة على رأس الأمانة العامة، إلى جانب قيادات أخرى، تعطي معنى عملياً لفكرة طالما رفعت في الخطاب السياسي: لا يمكن بناء مستقبل ديمقراطي من دون مشاركة كاملة للنساء في صناعة القرار.

ثمانية عشر عاما ماذا بعد؟

بعد ثمانية عشر عاماً، لا يمكن اختزال الحزب في تاريخ تأسيسه، ولا في قياداته المتعاقبة، ولا في نتائجه الانتخابية، إنه تجربة سياسية كاملة، بكل ما تحمله التجارب الحقيقية من نجاحات وإخفاقات، من صعود وتراجع، من خلافات ومراجعات، ومن لحظات قوة وأخرى فرضت إعادة بناء الذات، لكن ما يستحق أن يبقى ثابتاً وسط كل هذا التحول هو المشروع فالأشخاص يتغيرون، والقيادات تتعاقب، والهياكل تتطور، لكن الحزب الذي يريد أن يستمر يحتاج إلى فكرة قادرة على تجاوز الأجيال.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمامنا اليوم، فالسؤال ليس فقط: ماذا حققنا خلال ثمانية عشر عاماً؟ بل ماذا نريد أن نصنع خلال السنوات القادمة؟ أي مغرب نريد لشبابه؟ أي مكانة نريد للمرأة فيه؟ كيف نعيد الثقة إلى العمل السياسي؟كيف نجعل الحزب أكثر التصاقاً بالمواطن، وأكثر انفتاحاً على الكفاءات، وأكثر قدرة على إنتاج الأفكار والحلول؟؛ كيف يتحول الحزب من مجرد فاعل في المواسم الانتخابية إلى مدرسة للمواطنة، وفضاء للاقتراح، وجسر حي بين المجتمع والمؤسسات؟.

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تحملها الذكرى الثامنة عشرة إلى المستقبل.

تعاقبت القيادات وبقي المشروع؛ تغيرت الوجوه وبقيت الفكرة؛ اختلفنا، راجعنا ذواتنا، تقدمنا وتراجعنا، ثم نهضنا من جديد.

وهنا ربما تكمن القيمة الحقيقية لهذه التجربة: أن الحزب لم يكن معصوماً من الخطأ، لكنه لم يتوقف عند محاولة التعلم من مساره؛ وأن الذاكرة لم تتحول إلى عبء، بل يمكن أن تصبح خبرة، وأن الاختلاف لم يكن دائماً نهاية، بل يمكن أن يكون بداية للتجدد.

في الذكرى الثامنة عشرة، لا نريد أن نقول فقط: كل عام و«البام» بخير بل نريد أن نقول: كل عام و«البام» أقرب إلى المواطن، وأكثر انفتاحاً على الشباب، وأكثر إنصافاً للمرأة، وأكثر جرأة في الإصلاح، وأكثر وفاءً لمشروعه، وأكثر استعداداً لتحمل المسؤولية مستقبلا ، فالأكيد أن المستقبل تصنعه الأحزاب التي تملك شجاعة التغيير ، من دون أن تفقد هويتها؛ وأن تتجدد، من دون أن تتنكر لذاكرتها؛ وأن تظل وفية لفكرتها، دون أن تصبح أسيرة لها.وهذا هو التحدي الحقيقي أمامنا جميعا.

فالحزب الذي وُلد ذات يوم ليحرك المياه الراكدة، مدعو اليوم إلى أن يثبت أن الموجة التي صنعها لم تكن عابرة، وأن مشروعه لم يكن لحظة في تاريخ السياسة المغربية، وإنما رهاناً مفتوحاً على مغرب أكثر حداثة وديمقراطية وعدالة وتنمية.

هنيئاً لكل مناضلة ومناضل حمل ألوان الأصالة والمعاصرة، ولكل من آمن بأن السياسة يمكن أن تُمارس بشكل مختلف، وأن الحزب يمكن أن يكون فضاءً للفكرة، ومدرسة للمواطنة، وأداة لصناعة التغيير.

عاش حزب الأصالة والمعاصرة وعاش المغرب، عنوانا للحداثة والديمقراطية والتعدد.

الدكتورة زهور الوهابي
نائب رئيسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة

Scroll to Top

تشكيلة المكتب التنفيذي لنساء البام

الاسم الكامل الصفة الإقليم
قلوب فيطح رئيسة منظمة نساء البام وطني
نادية بزندفة النائبة الأولى وطني
سميرة صالح بناني النائبة الثانية درعة تافيلالت
فاطمة الطوسي أمينة المال وطني
لبنى أكنشيش نائبة أولى وطني
ابتسام حرمة نائبة ثانية وطني
دنيا ودغيري مقررة الرباط
أسماء بركيطة نائبة أولى الرباط
لالة إسلام باداد نائبة ثانية الرباط

تشكيلة المكتب التنفيذي لنساء البام

الاسم الكامل الصفة الإقليم
قلوب فيطح رئيسة منظمة نساء البام وطني
نادية بزندفة النائبة الأولى وطني
سميرة صالح بناني النائبة الثانية درعة تافيلالت
فاطمة الطوسي أمينة المال وطني
لبنى أكنشيش نائبة أولى وطني
ابتسام حرمة نائبة ثانية وطني
دنيا ودغيري مقررة الرباط
أسماء بركيطة نائبة أولى الرباط
لالة إسلام باداد نائبة ثانية الرباط
غشت 2008
تأسيس الحزب وانتخاب السيد حسن بنعدي أمينا عاما
20-22 فبراير 2009
انعقاد المؤتمر الوطني الأول لحزب الأصالة والمعاصرة، تحت شعار: "السياسة بأخلاق أخرى"، وانتخاب السيد الشيخ بيد الله أمينا عاما
17-19 فبراير 2012
انعقاد المؤتمر الوطني الثاني، تحت شعار: "معاً . . لربح الرهانات"، وانتخاب السيد مصطفى بكوري أمينا عاما للحزب
22-24 يناير 2016:
انعقاد المؤتمر الوطني الثالث، تحت شعار: "مغرب الجهات: انخراط واع ومسؤول"، وانتخاب السيد إلياس العمري أمينا عاما للحزب
2018
انعقاد دورة استثنائية للمجلس الوطني للحزب، وانتخاب السيد حكيم بنشماش أمينا عاما
7-9 فبراير 2020
انعقاد المؤتمر الوطني الرابع، تحت شعار: "المغرب للجميع"، وانتخاب السيد عبد اللطيف وهبي امينا عاما للحزب
19-20 ماي 2023
انعقاد المؤتمر الوطني التأسيسي لمنظمة نساء حزب الأصالة والمعاصرة، تحت شعار: "التمكين الشامل للمرأة أساس التنمية والمساواة"، وانتخاب السيدة قلوب فيطح رئيسة للمنظمة
9-11 فبراير 2024
انعقاد المؤتمر الوطني الخامس للحزب، تحت شعار: "تجديد الذات الحزبية لضمان الاستمرارية"، واختيار صيغة القيادة الجماعية لأول مرة في المغرب
دجنبر 2024
الانضمام إلى منظمة الليبرالية العالمية
26-27 شتنبر 2025
انعقاد المؤتمر الوطني الثاني لمنظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، تحت شعار: "شبابٌ يقُودُ، أملٌ يعُودُ"، وانتخاب السيد صلاح الدين عبقري رئيسا للمنظمة