جعل عبد اللطيف مداوي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، من إعادة تنظيم العرض الجامعي مدخلا لمعالجة التفاوتات المجالية والاختلالات البنيوية التي تعرفها منظومة التعليم العالي بالمغرب، مؤكدا أن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال نحو توزيع أكثر توازنا للمؤسسات الجامعية، وتطوير أنماط الحكامة والتكوين بما يستجيب للتحولات الديمغرافية والاقتصادية التي تعرفها المملكة.
وفي معرض جوابه خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، اليوم الاثنين 26 أكتوبر 2026، ربط الوزير ورش العدالة المجالية في التعليم العالي بمسار الإصلاحات الكبرى التي أطلقتها المملكة تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، والتي شملت إرساء الجهوية المتقدمة، وتعزيز الإطار القانوني المنظم لمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، بما يتيح مواصلة تطوير السياسات العمومية في هذا المجال.
وأوضح مداوي أن معالجة التحديات الراهنة تقتضي بناء تصور متكامل لمستقبل الجامعة المغربية، يقوم على إعداد مخطط مديري للقطاع، وصياغة خريطة جامعية جديدة، وإحداث جيل من المؤسسات يستجيب للحاجيات المتجددة، إلى جانب إرساء حكامة قادرة على تحسين تدبير الموارد وتوجيه التكوين نحو الأولويات الوطنية ومتطلبات التنمية في مختلف الجهات.
وتستند هذه التوجهات إلى تشخيص للاختلالات التي تؤثر في أداء المؤسسات الجامعية، وفي مقدمتها التفاوت في توزيعها الترابي، وارتفاع الضغط على بنياتها البيداغوجية والمالية، فضلا عن استمرار عدد من المؤسسات والمسالك المتشابهة التي لا تحقق، بالقدر المطلوب، الانسجام مع الحاجيات الوطنية والجهوية والدولية.
وفي هذا السياق، توقف الوزير عند إشكالية الهدر الجامعي وضعف المردودية الداخلية، كاشفا أن نحو نصف الطلبة يغادرون الجامعة خلال السنة الأولى من الدراسة، معتبرا أن هذه الوضعية تطرح تحديا مزدوجا يرتبط بفعالية التكوين من جهة، وبالكلفة المالية المترتبة عن المسارات الدراسية غير المكتملة أو الممتدة خارج آجالها الطبيعية من جهة أخرى.
وبحسب الأرقام التي قدمها أمام مجلس النواب، فإن تأخر التخرج بسنتين إضافيتين عن المدة العادية للتكوين يرفع الكلفة إلى نحو 40 مليون درهم، مقابل 128 ألف درهم بالنسبة إلى المسار العادي، وهي معطيات تبرز أهمية تحسين المردودية الجامعية والحد من التعثر الدراسي، بما يضمن استثمارا أكثر نجاعة للموارد المخصصة لهذا القطاع.
ولا تقتصر التحديات، وفق عرض الوزير، على تدبير المسارات الدراسية، بل تمتد إلى مدى قدرة التكوين الجامعي على فتح آفاق مهنية أمام الخريجين، فقد أشار إلى الصعوبات التي يواجهها خريجو بعض مسالك الإجازة في الاندماج بسوق الشغل، في ظل مستويات مرتفعة من البطالة، الأمر الذي يعزز الحاجة إلى تطوير العرض الجامعي وجعله أكثر ارتباطا بتحولات الاقتصاد الوطني وحاجيات المجالات الترابية.
وتزداد أهمية هذه الإصلاحات بالنظر إلى الضغط الديمغرافي المرتقب على الجامعات، إذ تشير التوقعات التي عرضها مداوي إلى إمكانية ارتفاع أعداد الطلبة بنسبة تصل إلى 35 في المائة في أفق سنة 2030، وحذر في هذا الإطار من احتمال بلوغ عدد الطلبة في بعض الجامعات نحو 100 ألف طالب، إذا استمر الوضع الحالي دون اتخاذ التدابير الإصلاحية الكفيلة بمواكبة هذا التطور.
وتضع هذه المؤشرات إصلاح التعليم العالي أمام مجموعة من الأولويات المترابطة، تشمل مراجعة الخريطة الجامعية، وتقليص الفوارق بين الجهات، وتحسين جودة التكوين والحد من الهدر، فضلا عن تعزيز قابلية الخريجين للاندماج المهني، وهي رهانات تجعل من تطوير الجامعة المغربية جزءا من مسار أوسع يروم دعم التنمية الجهوية، وتحسين توجيه الاستثمار العمومي، وتوسيع فرص الولوج إلى تكوين جامعي يستجيب لتطلعات الشباب وحاجيات المجتمع.
سارة الرمشي