لم تعد اللقاءات التواصلية التي يخوضها حزب الأصالة والمعاصرة في مختلف جهات المملكة مجرد محطات تنظيمية تسبق الانتخابات التشريعية، بل تحولت، خلال الأسابيع الأخيرة، إلى مناسبات سياسية لعرض اختيارات الحزب، وتقييم حضوره الميداني، والتواصل المباشر مع المناضلين والمنتخبين والساكنة.
ثلاث محطات بارزة، من الشرق إلى الجنوب وصولا إلى أزيلال، عكست حجم الدينامية التي يعيشها الحزب، كما كشفت عن رسائل سياسية وتنموية متقاطعة، قوامها الاستعداد للمرحلة المقبلة، الدفاع عن حصيلة الحزب، وتقديم عرض انتخابي يقول البام إنه يريد أن يجمع بين الواقعية والقدرة على الإنجاز.

*الشرق.. تعبئة تنظيمية ورسالة بأن المرحلة المقبلة هي مرحلة حلول*
في جهة الشرق، كان اللقاء الجهوي الذي احتضنته مدينة بركان محطة سياسية وتنظيمية وازنة، وجمع اللقاء قيادة الحزب الوطنية والجهوية، والمنتخبين والمرشحين والمناضلين القادمين من مختلف أقاليم الجهة، في حضور تجاوز ثلاثة آلاف مشارك.
اللقاء لم يقتصر على تقديم المرشحين، بل حمل نقاشا حول مستقبل الجهة وأولوياتها التنموية، حيث أكد محمد بوعرورو، عضو المكتب السياسي ورئيس مجلس جهة الشرق، أن المنطقة مطالبة بالانتقال من مرحلة تدبير الإكراهات إلى مرحلة صناعة الحلول، واضعا الاستثمار وخلق فرص الشغل والأمن المائي والعدالة المجالية ضمن أولويات المرحلة المقبلة.
وفي المقابل، اختار فوزي لقجع أن يجعل من اللقاء مناسبة لتوضيح طبيعة العرض الذي يقدمه الحزب، مؤكدا أن البرنامج الانتخابي للبام لا يقوم، حسب طرحه، على وعود معزولة، وإنما على التزامات مالية وبرنامج عمل يمتد لخمس سنوات، بكلفة سنوية تقدر بحوالي 70 مليار درهم.

كما وضع لقجع ملفات القدرة الشرائية والصحة والتعليم والاستثمار في صلب النقاش، في إشارة إلى أن الحزب يريد أن يخوض الاستحقاقات المقبلة من بوابة البرامج والحلول بدل الاكتفاء بالخطاب السياسي العام.
وكانت رسالة المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية للأمانة العامة للحزب فاطمة الزهراء المنصوري بدورها واضحة فيما يتعلق بتجديد العرض السياسي، خاصة من خلال الانفتاح على الكفاءات، وهو السياق الذي قدم فيه الحزب التحاق لقجع باعتباره جزءا من توجه نحو استقطاب طاقات جديدة.
*الداخلة.. حضور جماهيري ورسالة سياسية من قلب الأقاليم الجنوبية*
إذا كانت محطة الشرق قد حملت عنوان التعبئة والبرنامج، فإن الداخلة رفعت سقف الحضور الجماهيري والرمزية السياسية.
فاللقاء التواصلي الوطني الذي احتضنته المدينة يوم 5 شتنبر عرف حضورا جماهيريا كبيرا، تجاوز 17 ألف مشارك، إلى جانب آلاف المواطنين الذين تابعوا اللقاء من محيطه، كما حضرت القيادة الجماعية وعدد من أعضاء المكتب السياسي، في مقدمتهم فاطمة الزهراء المنصوري، ومحمد المهدي بنسعيد، وفوزي لقجع، إلى جانب الخطاط ينجا وقيادات ومنتخبين من مختلف مناطق الجهة.
اختيار الداخلة لم يكن تفصيلا عابرا في أجندة الحزب، فالمنصوري ربطت تنظيم اللقاء بالاهتمام الذي يوليه البام للأقاليم الجنوبية، كما حملت المحطة دعما سياسيا واضحا للخطاط ينجا، عضو المكتب السياسي ورئيس مجلس جهة الداخلة- وادي الذهب.

أما الرسالة التي خرجت من المداخلات فكانت أوسع من مجرد التعبئة الانتخابية؛ إذ حاول الحزب تقديم الجهة باعتبارها جزءا أساسيا من مشروعه التنموي والسياسي، مع التركيز على التشغيل والعدالة المجالية وتحسين القدرة الشرائية.
وفي هذا السياق، شدد صلاح الدين عبقري، رئيس منظمة شباب الأصالة والمعاصرة، على أن الحضور الشبابي الكبير بالداخلة يعكس، في نظر الحزب، توجها نحو تجديد الممارسة السياسية وإعطاء الشباب والكفاءات مساحة أكبر للمشاركة في النقاش العمومي وصناعة الأولويات.
وهكذا تحولت الداخلة إلى واحدة من أبرز محطات البام خلال هذه المرحلة، ليس فقط بسبب حجم الحضور، وإنما أيضا بسبب الرمزية التي أراد الحزب أن يمنحها لحضوره في الأقاليم الجنوبية.
*أزيلال.. السياسة من بوابة القرب والإنصات*
ومن الشرق والجنوب، انتقلت الدينامية التواصلية لحزب الأصالة والمعاصرة إلى أزيلال، التي احتضنت بدورها محطة تواصلية حضرها عدد من قيادات الحزب وأعضاء مكتبه السياسي، إلى جانب المنتخبين والمناضلين والفاعلين المحليين، في لقاء عكس حرص التنظيم على جعل الحضور الميداني جزءا أساسيا من تحضيراته للاستحقاقات المقبلة.
وشكل اللقاء مناسبة لتجديد التواصل المباشر بين القيادة والقواعد، وطرح عدد من القضايا التي ترتبط بالواقع التنموي والاجتماعي للإقليم، في مقدمتها فك العزلة، وتحسين البنيات التحتية، وتعزيز الخدمات الأساسية، ودعم فرص الاستثمار وخلق فرص الشغل، بما ينسجم مع خصوصية المجالات الجبلية وحاجيات ساكنتها.
وحضر البعد التنظيمي والسياسي بقوة خلال هذه المحطة، من خلال التأكيد على أهمية توحيد الرؤية والاستعداد الجيد للمرحلة الانتخابية، إلى جانب إبراز دور المنتخبين والمناضلين في ترجمة اختيارات الحزب إلى عمل ملموس داخل المجال الترابي.
كما شكل حضور القيادة الحزبية مناسبة لتأكيد أن رهان البام لا يقتصر على المدن والمراكز الكبرى، وإنما يمتد إلى المناطق التي تفرض خصوصياتها التنموية والاجتماعية مقاربة أكثر قربا من المواطن، وأكثر ارتباطا بالانتظارات الفعلية للساكنة.
وبذلك، حملت محطة أزيلال رسالة سياسية وتنظيمية واضحة: الحضور الميداني للحزب لا يقاس فقط بحجم التجمعات، وإنما أيضا بقدرته على الوصول إلى مختلف المجالات الترابية، والاستماع إلى قضاياها، وتحويلها إلى جزء من النقاش الوطني حول التنمية والعدالة المجالية.
*ثلاث محطات.. ورسالة واحدة*
ورغم اختلاف السياقات بين الشرق والداخلة وأزيلال، فإن القاسم المشترك بين هذه اللقاءات الثلاثة يبدو واضحا، حزب الأصالة والمعاصرة يريد أن يقدم نفسه كتنظيم حاضر ميدانيا ،ومعبأ انتخابيا، وقادر على الانتقال من الخطاب العام إلى طرح ملفات وبرامج مرتبطة بالحياة اليومية للمواطنين.
فالشرق قدم نفسه كجهة تحتاج إلى الاستثمار وفرص الشغل والأمن المائي والعدالة المجالية؛ والداخلة تحولت إلى منصة لإبراز مكانة الأقاليم الجنوبية داخل المشروع السياسي للحزب؛ فيما جسدت أزيلال رهان القرب والتواصل مع المنتخبين والقواعد المحلية.
وبين هذه المحطات، برزت أيضا صورة قيادة حزبية تقدم نفسها بشكل جماعي، مع حضور فاطمة الزهراء المنصوري ومحمد المهدي بنسعيد وفاطمة سعدي وفوزي لقجع وعدد من أعضاء المكتب السياسي في أكثر من محطة، بما يعكس، على المستوى السياسي والتنظيمي، وحدة القيادة وتكامل أدوارها.
الأهم أن الخطاب الذي خرج من هذه اللقاءات لم يكن محصورا في الاستعداد للانتخابات، بل انفتح على قضايا القدرة الشرائية، والصحة، والتعليم، والشغل، والاستثمار، والشباب، والعدالة المجالية، وهي الملفات التي تشكل جوهر العرض الانتخابي الذي قدمه الحزب خلال الأيام الماضية.
وبذلك، تبدو اللقاءات التواصلية الأخيرة للبام أكثر من مجرد تجمعات انتخابية؛ إنها محاولة لاختبار الجاهزية على الأرض، وقياس قوة التنظيم، واستعادة التواصل المباشر مع المواطنين، وفي الوقت نفسه إرسال رسالة مفادها أن الحزب يدخل المرحلة الأخيرة قبل الانتخابات وهو يريد أن يجعل من الحضور الميداني والبرنامج والقيادات والكفاءات الجديدة عناصر أساسية في معركته السياسية المقبلة.
سارة الرمشي