بقلم الدكتورة: نجاة الغوز
وأنا أتابع عرض السيدة رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري برنامج عمل الحكومة وخطابها في البرلمان، لفت انتباهي طريقة نطقها بعض الكلمات، خاصة ما يبدو في ذلك من تخفيف للهمزة في آخر الكلمة، أو عدم تحقيقها في مواضع معينة، وهو الأمر الذي أثار موجة من التعليقات على صفحات مواقع التواصل الإجتماعي، وهي ملاحظة فتحت أمامي مدخلا للتساؤل عن الخصوصيات الصوتية للهجات المغربية، وعن الكيفية التي ننظر بها إلى اختلافاتنا اللغوية واللسانية، حيث إنه قد تقودنا حقا في بعض الأحيان ملاحظة صوتية عابرة إلى إثارة نقاش وأسئلة تتجاوز حدود النطق لتلامس علاقة اللغة العربية الفصحى بالهوية واللهجات المحلية، وحدود المعيار اللغوي في فهم التنوع الثقافي الذي يزخر به مغربنا العزيز، خاصة ما يمكن اعتباره اليوم تطورا متزايدا للمشهد اللغوي في المغرب وما يمكن أن يطرحه الذكاء الاصطناعي من أسئلة لغوية ولسانية جديدة ، كل هذا وغيره أسهم في تشكيل وعي لساني قوامه ضرورة الإيمان بالتعدد اللساني في المغرب.
وهنا أتساءل بكل موضوعية: متى يتحول الاختلاف في النطق إلى موضوع يستحق التأمل؟ ولماذا نستدعي أحيانا معيار الفصحى للحكم على لهجة محلية؟ وكيف يمكن لتفصيل صوتي كالهمزة في البرلمان أن يكشف جانبا من تاريخنا اللغوي، وعلاقتنا بما نتكلم به وكيف نتكلم به وننتمي إليه؟.
همزة السيدة الرئيسة فاطمة الزهراء المنصوري، هي صورة تعكس الغنى اللساني واللغوي عند المغاربة، بلغتها العربية الممزوجة بالهوية المغربية استطاعت السيدة المنصوري أن تلفت انتباهنا إلى تميز اللسان المغربي وتفرده علما أنه “ظلت معالجة الإشكال اللغوي في المغرب موسومة بمنزع الربط والخلط أحيانا بين العرقي والعلمي الأكاديمي وتتجاذب داخلها توجهات تحكمها فراغات سياسية، وثقافية وهوياتي ظلت محتدمة في الغالب، تجري مقاصدها مجرى انتماء أطرافها لقطب فكري محدد”.
فالإشكال اللغوي في المغرب لا يمكن أن يربط بنطق حرف أو كلمة -الأمر أعقد من ذلك بكثير-، ذلك أن طريقة معالجته لم تتم إلا من خلال زوايا أغلبها أيديولوجي أو أكاديمي محض، بعيدا عن الهوية والمصالحة مع اللسان المغربي الذي يملك خصائص معينة، ذلك أن “الدارجة المغربية لها من المميزات اللسانية ما يجعلها متميزة… خاصة تقريب المعلومة من المواطن العادي، فمادام التواصل اليومي لا يجري إلا بالعامية، فإن المعلومة لا يمكن أن تصل إلا باللغة المغربية”.
وعليه يمكن أن أقول أن اللغة ليست مجرد أصوات متنوعة، وليست حروفا تكتب وتنقل من صورتها الكتابية إلى صورتها اللسانية، فهي أعمق من كل ذلك فهي وسيلة للتواصل أولا وقبل كل شيء.
ونعلم جيدا في هذا الصدد أنه ثمة مسافة ما بين النظام الكتابي والأداء الشفهي وهي مسافة تتدخل فيها العادات النطقية والسياقات الاجتماعية والإيقاعات المحلية. والهمزة، في هذا السياق، ليست مجرد علامة إملائية؛ إنها ظاهرة صوتية يمكن أن تتعدد طرائق أدائها ونطقها بحسب النظام اللغوي الذي تنتمي إليه الكلمة، وبحسب التنوع اللغوي والانتماء الهوياتي للمتكلم فنطق الهمزة في اللسان العربي الفصيح يختلف عن النطق بها في اللسان الأمازيغي أو اللسان الدارج الذي يستعمله المتكلم.
ومن هنا، ينبغي التمييز بين تحقيق الهمزة وتسهيلها وحذفها، وهي عمليات صوتية ليست مترادفة، ولا يصح جمعها في حكم واحد. فقد تختلف طريقة نطق صوت معين بين الفصحى والدارجة، وقد تتأثر كذلك بموقعه داخل الكلمة وبالأصوات المجاورة له وبسرعة الكلام. لذلك، فإن وصف ظاهرة بعينها يقتضي تحديد الكلمات التي ظهرت فيها، والاستماع إلى سياقها، ومقارنتها باستعمالات أخرى، بدل الاكتفاء بانطباع سمعي عام.
ولعله من اللهجات المغربية التي تحقق تخفيفا في الهمزة نجد اللهجة المراكشية، وهي لهجة تفتح لنا آفاقا أوسع وأرحب للتفكير في اللسان المغربي بوصفه اللسان المليء بالتنوعات الصوتية والمعجمية والتعبيرية. فلكل منطقة تاريخها الاجتماعي والثقافي، ولكل جماعة لغوية طرائق في النطق والتعبير تتشكل عبر الاستعمال والتفاعل والتوارث. ولا تتحدد هذه الخصوصية في مفردات بعينها فحسب، بل قد تظهر في الإيقاع والتنغيم، وفي طريقة بناء العبارات، وفي الدلالات التي تكتسبها الكلمات داخل الحياة اليومية.
كما لا يمكن أن نتغاضى عن كون مراكش، في حد ذاتها خزانا حضاريا وثقافيا ولغويا متنوعا. وبالتالي فإن الحديث عن لهجتها ينبغي ألا يتحول إلى تعميم يجعل جميع المتكلمين نسخة واحدة؛ فاللهجات وبفضل الاحتكاك اللغوي قد تعرف تنوعا واختلافا من داخل عمقها اللساني. دون أن ننسى أنه ثمة بعض الظواهر التي تبدو محلية لكنها مشتركة مع مناطق مغربية أخرى، وإن اختلفت درجة حضورها أو شروط استعمالها.
أعتقد أن محور الإشكال ليس في الهمزة وطريقة نطقها أو تخفيفها بل الإشكال الحقيقي في الطريقة التي نتصور بها العلاقة بين الفصحى والدارجة. ذلك أن الاستقبال اللهجي لكلمة فصحى في سياق العامية يجعلنا نحاكم المتكلم بالخطإ أو التحريف، مع أن الحكم على الكلام يقتضي تحديد النظام اللغوي الذي ينتمي إليه، والسياق الذي يستعمل فيه، والوظيفة التي يؤديها، والهوية الثقافية واللغوية التي ينطلق منها.
فالهوية التي ينطلق منها المتحدث يختلف مستوى قراءتها وتحليها ومناقشتها ونقدها في أحيان كثيرة علما أن من يحاكم المتكلم ينطلق من منطلقات محددة ومن هوية مغايرة أو أيديولوجية مختلفة -في بعض الأحيان-، خاصة وأن “الفضاء الايديولوجي للهوية في بلادنا تتنازعه اليوم ثلاثة خطابات هوية: أولها الخطاب الإسلامي، بشقيه الإسلامي والعربي، وبمختلف تلويناته، وخطاب الهوية الأمازيغية، بشقيه الأمايزيغة الثقافية والأمازيغية السياسية، والخطاب الكوني”.
وبالتالي فالنقاش الذي أثارته همزة السيدة رئيسة الحكومة نقاش يدور في فضاء أيديولوجي بعيد كل البعد عن النقاش المتعلق بروح الهوية المغربية العربية الأمازيغية.
يكتسب هذا النقاش أهمية إضافية حين يظهر الاختلاف اللهجي في الفضاء العمومي، ولا سيما في الخطاب السياسي. فالسياسي لا يتحدث خارج تاريخه اللغوي والاجتماعي؛ إنه يحمل معه عادات نطقية وتعبيرية اكتسبها في محيطه، وقد تظهر بعض آثارها حتى حين يتحدث في مقام رسمي.
لذا وجب الإيمان بما يمكن أن أسميه بالعدالة اللسانية أو الانصاف اللساني -إذا صح التعبير- وهو ما يعني أنه لا توجد أشكال تعبيرية متطابقة في جميع المقامات، وفي نفس الآن، هذا الأمر لا يدعو مطلقا التخلي عن معايير الفصاحة حين يكون المقام مقاما للفصحى؛ بل يعني التمييز بين تقويم الأداء داخل سياقه وبين إصدار أحكام عامة على المتكلمين ولهجاتهم. فقد يكون من المشروع مناقشة وضوح خطاب رسمي أو سلامة تركيب فصيح، لكن ذلك يختلف عن اعتبار كل ملمح محلي في النطق عيبا ينبغي التخلص منه.
من هذا المنطلق، يصبح الدفاع عن الخصوصية اللغوية المغربية دفاعا عن حق الاختلاف في أن يفهم قبل أن يدان، وعن ضرورة أن ندرس لهجاتنا بأدوات علمية بدل إخضاعها لأحكام مسبقة.
أعتقد أننا اليوم بحاجة متزايدة إلى المزيد من الدراسات التي تعنى باللسان المغربي دراسات أكاديمية لسانية دقيقة، وتوثيق مفرداتها وتراكيبها وخصائصها الصوتية، وتقارن بينها من غير ترتيب تفاضلي أو تحيزات أيديولوجية.
فالاعتزاز باللغة العربية الفصحى لا يتعارض مع دراسة الدارجة المغربية، مثلما أن الانفتاح على التنوع اللهجي لا يقتضي إنكار ما يجمع المغاربة من روابط لغوية وثقافية. إن العلاقة بين هذه المستويات يمكن أن تكون علاقة تكامل وتفاعل، لا علاقة إقصاء وصراع.
إن ما استوقفني في طريقة نطق السيدة المنصوري، فرصة ومناسبة لإعادة النظر في أحكامنا المسبقة على الاختلافات النطقية التي يحملها المتكلمون معهم من بيئاتهم المحلية إلى الفضاءات الرسمية. فالسيدة الرئيسة، وهي تخاطب البرلمان وتعرض برنامج عمل الحكومة، لا تفقد خصوصيتها اللغوية لمجرد أنها تتحدث في مقام مؤسساتي، كما أن اختلاف نطقها لبعض الأصوات لا ينتقص من مكانتها ولا من حقها في التعبير.
إن اللغة ليست قالبا جامدا ثابتا يلزم الجميع بصوت واحد، بل ذاكرة حية تتجلى فيها آثار المكان والتاريخ والتفاعل الثقافي. والمغرب، في عمقه الحضاري، ليس صوتا واحدا ولا لسانا متجانسا؛ إنه فسيفساء لساني تتجاور فيه العربية والأمازيغية والحسانية ومختلف لهجات مغربنا العزيز، وتتعدد داخله اللهجات والتعبيرات المحلية، من مراكش إلى الريف، ومن الشرق إلى الشمال والجنوب، دون أن يلغي اختلافها ما يجمعها من انتماء وطني مشترك. مغربنا العزيز يتسع لتعدد روافده الثقافية واللغوية، لذا يجب أن يتسع كذلك لاختلاف أصوات أبنائه؛ لأن الوحدة الوطنية لا تعني أن نتكلم بالطريقة نفسها، بل أن نعترف بأن اختلافنا جزء من هويتنا المشتركة.
ومن الهمزة إلى الهوية، لعل الدرس الأعمق هو أن نصغي إلى لغاتنا ولهجاتنا لا بحثا عن العيوب، بل اكتشافا لما تختزنه من تاريخ وذاكرة وانتماء ضارب في عمق الهوية المغربية.