أكدت سلمى أبلحساين، رئيسة المجلس الوطني لمنظمة شباب الأصالة والمعاصرة، أنه آن الأوان لانتقال الشباب والنساء من هامش السياسة إلى مركز القرار، معتبرة أن تعزيز حضورهما في الحياة السياسية لم يعد مجرد مطلب مرتبط بالتمثيلية العددية، بل أصبح رهانا أساسيا لتجويد الديمقراطية وصناعة سياسات عمومية أكثر استجابة لانتظارات المجتمع.
وأوضحت أبلحساين، خلال حلولها ضيفة على برنامج “شباب في الواجهة” الذي تبثه القناة الأولى، أن المرأة تمثل ما يقارب 52 في المائة من المجتمع المغربي، أي ما يعادل نصف المجتمع، وهو ما يجعل من تقييم حضورها في الحياة السياسية والحزبية مؤشرا أساسياً على مستوى تطور الديمقراطية بالمملكة.

وقالت إن تقييم مشاركة المرأة في العمل السياسي ينبغي أن يتم من زاويتين؛ الأولى تتعلق بالتمثيلية العددية، والثانية ترتبط بالمضمون ومدى حضور النساء في مواقع التأثير وصناعة القرار. وأشارت إلى أن المغرب سجل تطورا إيجابيا ملحوظا خلال العقود الأخيرة، سواء من حيث حضور النساء داخل الأحزاب السياسية أو من خلال تمثيليتهن في المؤسسات المنتخبة، وهو ما عزته إلى تنامي الوعي السياسي لدى المرأة المغربية واعتماد آليات التمييز الإيجابي.
وأضافت أن نسبة النساء بمجلس النواب بلغت خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2021 نحو 24.3 في المائة، بعدما كانت أقل من واحد في المائة سنة 1993، فيما بلغت نسبة التمثيلية النسائية بمجلس المستشارين 12.5 في المائة سنة 2021 مقابل 11.7 في المائة سنة 2011.

كما ارتفعت نسبة النساء المنتخبات على المستوى الترابي إلى 26.64 في المائة، بعدما كانت في حدود 21 في المائة سنة 2016.
ورغم هذا التطور، اعتبرت أن التحدي الحقيقي ما يزال مرتبطا بمدى قدرة النساء على الولوج إلى مواقع القرار السياسي داخل الأحزاب والمؤسسات المنتخبة، مشيرة إلى أن حضور المرأة في الأمانات العامة والمكاتب السياسية وهيئات القيادة لا يزال دون مستوى التقدم المسجل في التمثيلية العددية.
واستعرضت في هذا السياق عددا من النماذج النسائية داخل حزب الأصالة والمعاصرة، من بينها فاطمة الزهراء المنصوري المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية للحزب، وفاطمة السعدي عضو القيادة، إضافة إلى نجوى ككوس التي تتولى رئاسة المجلس الوطني للحزب، معتبرة أن هذه التجارب تؤكد قدرة المرأة المغربية على تحمل المسؤوليات السياسية العليا.
وأكدت أن الاستثمار في النساء يمثل استثمارا مباشرا في جودة الديمقراطية، منوهة بالإصلاحات القانونية والمؤسساتية التي عرفها المغرب، خاصة منذ دستور 2011، والتي أسهمت في تعزيز المشاركة السياسية للنساء وتحسين شروط ولوجهن إلى الشأن العام.
وفي المقابل، شددت على أن القوانين وحدها لا تكفي، معتبرة أن الولوج إلى مواقع القرار يظل رهينا أيضا بتطور الثقافة التنظيمية داخل الأحزاب والمؤسسات السياسية.
وأوضحت أن العمل السياسي يقوم على الكفاءة والحضور الميداني والقدرة على التواصل والتدبير، وهي مجالات أثبتت فيها النساء المغربيات كفاءة متزايدة رغم استمرار بعض التمثلات المجتمعية التي تجعل معايير تقييم المرأة أكثر صرامة مقارنة بالرجل.
وأضافت أن الأحزاب السياسية مطالبة بالاستثمار بشكل أكبر في التكوين والتأطير من أجل إعداد قيادات نسائية جديدة، مشيرة إلى أن التنظيمات النسائية والشبيبات الحزبية تؤدي أدوارا مهمة في تأهيل النساء والشابات للانخراط في العمل السياسي.

وأبرزت أن الرهان الحالي لم يعد يقتصر على التكوين السياسي التقليدي، بل أصبح مرتبطا أيضا باكتساب مهارات جديدة تشمل صناعة السياسات العمومية والتدبير الترابي والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، معتبرة أن هذه المجالات أصبحت جزءا من المؤهلات الأساسية المطلوبة في القيادات السياسية المعاصرة.
كما شددت على أهمية توفير مسارات تنظيمية واضحة داخل الأحزاب تمكن النساء من التدرج نحو مواقع المسؤولية، مبرزة أهمية الآليات المؤسساتية الداعمة للتمثيلية النسائية، وعلى رأسها صندوق الدعم المخصص لتشجيع تمثيلية النساء، الذي أسهم، وفق المعطيات التي قدمتها، في دعم 354 مشروعا واستفادة نحو 70 ألف امرأة.
وفي حديثها عن التحولات الرقمية، اعتبرت أبلحساين أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت جزءا لا يتجزأ من الممارسة السياسية الحديثة، حيث أتاحت للشابات والنساء فرصا أكبر للتواصل المباشر مع المواطنين وعرض برامجهن وأفكارهن السياسية، غير أنها نبهت إلى تنامي مظاهر العنف الرقمي وحملات التشهير والاستهداف التي تتعرض لها العديد من النساء الناشطات في الفضاء العام.

وعن مشاركة الشباب والنساء في العملية الديمقراطية، أكدت أن المسؤولية مشتركة بين الأحزاب السياسية والمواطنين أنفسهم، معتبرة أن الحجم الديمغرافي لهاتين الفئتين يجعل من إشراكهما في الحياة السياسية ضرورة لضمان فعالية المؤسسات التمثيلية.
وقالت إن الرغبة في التغيير وتحسين السياسات العمومية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال المشاركة الفعلية في الانتخابات والانخراط في الأحزاب السياسية والمؤسسات المنتخبة، مشددة على أن السياسات العمومية تصنع داخل المؤسسات، وأن غياب الشباب والنساء عن هذه الفضاءات يعني غياب صوتهم عن عملية صناعة القرار.
وفي هذا السياق، استعرضت مبادرة “أنا كاين” التي أطلقتها منظمة شباب الأصالة والمعاصرة، موضحة أنها مبادرة مواطنة مفتوحة أمام مختلف فئات الشباب وتهدف إلى التحسيس بأهمية التسجيل في اللوائح الانتخابية والمشاركة الإيجابية في الحياة العامة.
وأضافت أن المبادرة جاءت استجابة لتطلعات الشباب الراغب في تحقيق تغيير إيجابي في مجالات التعليم والتشغيل والخدمات العمومية، مؤكدة أن أول خطوة نحو هذا التغيير تتمثل في التسجيل في اللوائح الانتخابية والمشاركة في التصويت.
واعتبرت أن محاسبة المنتخبين والمسؤولين السياسيين لا يمكن أن تتحقق دون مشاركة المواطنين في الانتخابات، مشيرة إلى أن رفع نسب التسجيل والتصويت يشكل أحد السبل الأساسية لمواجهة المال الانتخابي والممارسات التي تسيء إلى العمل السياسي، عبر توسيع قاعدة المشاركة الشعبية وتعزيز الرقابة الديمقراطية على المنتخبين.
كما أقرت بوجود قصور سابق في انفتاح بعض الأحزاب على المجال الرقمي واعتمادها خطابات تقليدية لم تعد تستجيب لانتظارات الشباب، مؤكدة أن الأجيال الجديدة أصبحت أكثر اهتماما بالقضايا الملموسة المرتبطة بالتعليم والصحة والتشغيل والسكن وجودة الخدمات العمومية.
وتوقفت أبلحساين عند موضوع تخليق الحياة السياسية، معتبرة أن الإجراءات التي تضمنتها مخرجات المجلس الوزاري الأخير تشكل خطوة مهمة نحو تعزيز الثقة في المؤسسات وترسيخ الممارسة الديمقراطية، مؤكدة أن الشباب معنيون بشكل مباشر بهذه الدينامية الإصلاحية.
كما دعت الشباب إلى عدم الاكتفاء بالتسجيل في اللوائح الانتخابية أو التصويت فقط، بل إلى الترشح للانتخابات وخوض غمار المسؤولية العمومية، لأن التغيير الحقيقي لا يصنعه المتفرجون بل الفاعلون داخل المؤسسات.
وأشارت إلى أن نسبة الشباب داخل المؤسسات التشريعية ما تزال محدودة، رغم أن جزءا كبيرا من السياسات العمومية يستهدف هذه الفئة، ما يجعل من تعزيز حضورها في مواقع التشريع والقرار ضرورة ملحة.
كما شددت على أهمية التكوين السياسي والتأطير المستمر واكتساب الخبرات الميدانية من أجل إعداد جيل جديد من القيادات القادرة على تحمل المسؤولية.
وفي هذا الإطار، استحضرت تجربتها الشخصية داخل برلمان الطفل، معتبرة أنها شكلت محطة أساسية في بناء وعيها بالمواطنة والحقوق والمسؤوليات، كما نوهت بالدور الذي يقوم به المرصد الوطني لحقوق الطفل في تأطير الأطفال واليافعين وترسيخ ثقافة المشاركة لديهم.
كما دعت إلى منح الأندية التربوية والتنظيمات التلاميذية والطلابية مكانة أكبر في مسار التنشئة السياسية والمدنية، بما يتيح للأجيال الصاعدة التعرف على آليات العمل الديمقراطي واكتساب ثقافة المشاركة في الشأن العام منذ سن مبكرة.
وفي معرض حديثها عن التوفيق بين الحياة الأسرية والعمل السياسي، عبرت أبلحساين عن تحفظها تجاه الطريقة التي يطرح بها هذا السؤال عادة على النساء دون الرجال، معتبرة أن التوفيق بين مختلف جوانب الحياة مسؤولية ومهارة مطلوبة من الجميع، وليس تحديا يخص النساء وحدهن.
وأكدت أن تمكين المرأة يتطلب أيضا توفير بيئة أسرية ومؤسساتية داعمة، داعية إلى تشجيع الأسر لطموحات الشابات، وإلى اعتماد إجراءات عملية داخل المؤسسات، من بينها توفير فضاءات وحضانات للأطفال بما يساعد النساء على التوفيق بين مسؤولياتهن الأسرية والمهنية والسياسية.
وفي ختام حديثها، وجهت أبلحساين تحية خاصة للأسر المغربية التي تدعم أبناءها وبناتها في خوض غمار العمل السياسي، مؤكدة أن الدعم الأسري كان عاملا أساسيا في مسارها الشخصي.
وقالت إنها تنحدر من مدينة شفشاون، وإن وصولها إلى رئاسة المجلس الوطني لمنظمة شباب الأصالة والمعاصرة لم يكن ليتحقق لولا الدعم الذي تلقته من أسرتها وإيمانها بأن التغيير يمر عبر المؤسسات والمشاركة السياسية.
كما نوهت بدور الإعلام الحزبي والعمومي في تسليط الضوء على النماذج النسائية والشبابية الناجحة، معتبرة أن إبراز هذه التجارب يسهم في تشجيع المزيد من النساء والشباب على الانخراط في الشأن العام والإسهام في بناء مغرب أكثر مشاركة وتمثيلية، مؤكدة أن “الصوت أمانة” وأن الشباب والنساء مطالبون بأن يكونوا جزءا من صناعة المستقبل الديمقراطي للمملكة لا مجرد متابعين له من الخارج.
Mourad Benali