قال عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، د. سمير بلفقيه، إن الحزب يدخل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة برصيد سياسي وتنظيمي يمتد لنحو عقدين من الزمن، مؤكدا أن هذه التجربة مكنته من تراكم خبرة كبيرة في العمل السياسي والحزبي والتنظيمي، ومن اكتساب ما وصفه بالمناعة والقدرة على التعامل مع مختلف التحولات التي عرفها المشهد السياسي المغربي.
وأوضح بلفقيه في حوار مع موقع le360؛ أن مسار الحزب شمل نحو 13 سنة في المعارضة وخمس سنوات في تدبير الشأن العام، معتبرا أن هذه التجربة مكنت البام من اكتساب خبرة كبيرة في تدبير السياسات العمومية، ومن تطوير تصور أكثر نضجاً على المستويات الانتخابية والتنظيمية والسياسية، إلى جانب مستوى المشروع المجتمعي الذي يقدمه الحزب.
وأضاف أن هذه التراكمات تجعل الحزب اليوم أكثر قدرة على خوض الاستحقاقات المقبلة بثقة، سواء من الناحية الانتخابية أو التنظيمية أو السياسية، مؤكدا أن البام يدخل هذه المرحلة حاملاً تصورا واضحا لرهانات المرحلة المقبلة.
وأشار عضو المكتب السياسي إلى أن الحزب يشتغل على تقديم عرض سياسي يستند إلى مشروع مجتمعي، ويهدف إلى الإسهام في إدخال المغرب بشكل فعلي إلى نادي الدول الصاعدة، مبرزا أن هناك دينامية كبيرة على مختلف المستويات المحلية والجهوية والوطنية استعدادا للاستحقاقات الانتخابية المقررة في 23 شتنبر المقبل.
وأكد بلفقيه أن هدف الحزب من هذه المحطة الانتخابية واضح، ويتمثل في الفوز بالانتخابات واحتلال المرتبة الأولى وقيادة الحكومة المقبلة، معتبرا أن تجربة الحزب خلال السنوات الماضية، سواء في المعارضة أو في تدبير الشأن العام، منحته القدرة على تحمل المسؤولية وتقديم نفسه كقوة سياسية قادرة على قيادة المرحلة المقبلة.
*تحولات المجتمع تفرض إعادة التفكير في العمل السياسي*
وفي حديثه عن التحولات التي يعرفها المجتمع، اعتبر بلفقيه أن التحول المجتمعي ليس خاصا بالمغرب، وإنما هو ظاهرة عالمية تشمل مختلف المجتمعات، وترتبط بشكل أساسي بالثورة الرقمية والتحولات الديمغرافية المتسارعة.
وأوضح أن هذه التحولات تفرض إعادة النظر في طريقة تمثل الفاعل السياسي والفئة الانتخابية والفئة السياسية لأدوارها، مشيرا إلى أن العلاقة التقليدية بين المواطن ومؤسسات الوساطة، من أحزاب ونقابات ومجتمع مدني، لم تعد بالشكل الذي كانت عليه سابقا.
وقال إن نظرة المواطن إلى الأحزاب ومؤسسات الوساطة تغيرت، وهو ما يستوجب، إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين الفاعل السياسي والمجتمع، والبحث عن آليات جديدة للتواصل والتأطير والمشاركة.
وأشار إلى أن الحزب يستعد لهذه المرحلة انطلاقاً من تجربته ومن القدرة التي راكمها على تحمل المسؤولية، مؤكدا أن هذه التجربة تمنحه، مؤهلات المنافسة على قيادة الحكومة المقبلة.
*أزمة الوساطة السياسية في زمن الثورة الرقمية*
وتوقف بلفقيه عند التحولات التي طرأت على وظيفة الوساطة السياسية، معتبرا أن الأحزاب لم تعد تشتغل في الفضاء نفسه الذي كانت تشتغل فيه سابقا، خصوصا مع اتساع المجال الرقمي وظهور مجموعة كبيرة من الفاعلين الجدد.
وأوضح أن الفضاء الإعلامي والرقمي أصبح مفتوحا أمام عدد كبير من الفاعلين، حيث يمكن لأي شخص تقريبا أن يصنع المحتوى ويؤثر في النقاش العمومي، بل ويتناول قضايا مرتبطة بالأمن والسياسة الخارجية والاقتصاد والعلم والدين وغيرها من المجالات.
واعتبر أن هذا الواقع الجديد يفرض على الأحزاب إعادة النظر في موقعها داخل المجتمع وفي أدوات اشتغالها، مؤكدا أن المساحة التي كانت الأحزاب تشغلها بقوة الدستور والقانون، باعتبارها حلقة أساسية للوساطة بين مؤسسات الدولة والمواطنين وحاملة لهموم المجتمع، أصبحت اليوم مطالبة بالتكيف مع تحولات عميقة.
وشدد على أن الديمقراطية لا يمكن أن تقوم من دون أحزاب، كما أن العمل الديمقراطي لا يمكن أن يتم خارج الانتخابات، معتبرا أن الأحزاب تظل جزءا أساسيا من البناء الديمقراطي ومن تنظيم الفعل المشترك داخل المجتمع.
وأضاف أن المرحلة الحالية تفرض على الأحزاب تطوير قنوات جديدة للتواصل والتفاعل مع المواطنين، خصوصا في ظل السرعة الكبيرة التي تنتشر بها المعلومة والإشاعة عبر الوسائط الرقمية.
*اهتزاز الثقة بين المواطن والفاعل السياسي*
وفي تشخيصه لأزمة الثقة، تحدث بلفقيه عن وجود اهتزاز في الثقة بين المواطن والفاعل الحزبي والسياسي، وكذلك تجاه عدد من المؤسسات، مستثنيا المؤسسة الملكية التي وصفها بأنها تحظى بإجماع مختلف مكونات المجتمع المغربي.

وأوضح أن هذا الاهتزاز في الثقة له أسباب متعددة، ترتبط ببعض السلوكات والممارسات؛ مع وجود ديناميات تعمل على تبخيس كل ما هو حزبي وانتخابي وسياسي، بما يؤثر على مصداقية الأحزاب وعلى دورها في الوساطة.
وأكد، في المقابل، أن الفاعل الحزبي والسياسي يظل فاعلا محوريا في البناء الديمقراطي، وأن تقوية هذا الدور تسهم أيضا في تعزيز الدينامية التنموية داخل المدن والمجالات الترابية.
وشدد على أن المطلوب هو التأقلم مع الواقع الجديد، والبحث عن مداخل عملية لإعادة بناء الثقة بين المواطن والفاعل السياسي والمؤسسات.
*من التعبئة الانتخابية إلى المشاركة المواطنة*
وفي هذا السياق، اعتبر بلفقيه أن هناك حاجة إلى مجموعة من المداخل التي يمكن أن تسهم في إعادة بناء الثقة بين المواطنين والفاعل السياسي، وفي مقدمتها تجاوز مفهوم التعبئة السياسية التقليدية والانتقال إلى إشراك المواطن في البناء المشترك للفعل العمومي.
وقال إن التعبئة ضرورية، لكن ليس فقط بهدف دفع المواطنين إلى المشاركة في الانتخابات، وإنما من أجل إشراكهم في صناعة القرار ومتابعة السياسات العمومية وتقييم نتائجها.
وأوضح أن المواطن لا ينبغي أن يتعامل مع الانتخابات كما لو كانت مباراة ودية لا تهم نتيجتها، بل باعتبارها محطة حاسمة لاختيار من سيتولى مسؤولية تدبير الشأن العام، وبالتالي فإن الاهتمام بالسياسات العمومية والانخراط فيها ومراقبة نتائجها يجب أن يكون جزءا من الممارسة المواطنة.
واعتبر أن المواطن يحتاج إلى آليات دائمة للمواكبة والمتابعة والتقييم، منتقدا منطق المنتخب الذي يغيب عن المواطنين طوال الولاية الانتخابية ثم يعود إليهم عند اقتراب موعد الانتخابات.
وأكد أن الانتخابات يمكن أن تكون محطة للتقييم المجتمعي، لكن العلاقة بين المنتخب والمواطن ينبغي أن تستمر طوال الولاية الانتخابية من خلال التواصل والمواكبة والتقييم المستمر.
ويرى بلفقيه أن ما يسميه “التعبئة المجتمعية” ينبغي أن يقوم على الانخراط والمشاركة والالتزام الجدي والمستمر، بما يجعل المواطن شريكا فعليا في البناء المشترك للفعل العمومي.
*تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة*
وفي حديثه عن تخليق الحياة العامة، شدد بلفقيه على ضرورة عدم اختزال الموضوع في زاوية المنتخب أو الفاعل السياسي، معتبرا أن التخليق ورش مجتمعي شامل يهم مختلف المتدخلين في تدبير الشأن العام، بما في ذلك الإدارة والمؤسسات وباقي الفاعلين.
وقال إن الترجمة الحقيقية للتخليق تتمثل في ربط المسؤولية بالمحاسبة في جميع مناحي تدبير الشأن العام، معتبرا أن هذا المبدأ موجود من الناحية المؤسساتية، لكن المطلوب هو الرفع من وتيرة تفعيله ومنسوب تطبيقه.
وربط جزءا من أزمة الثقة بشعور المواطن بعدم الاطمئنان إلى أن الأمور تتم دائما بالطريقة التي ينبغي أن تتم بها، معتبرا أن تعزيز الشفافية والمحاسبة وربط المسؤولية بالنتائج يمكن أن يسهم في استعادة الثقة.
وأكد أن تخليق الحياة العامة لا يمكن أن يكون مسؤولية الدولة وحدها، بل يحتاج إلى تكامل أدوار الأسرة والمدرسة والدولة والمجتمع.
*التربية على المواطنة مسؤولية مشتركة*
وأوضح بلفقيه أن التربية على المواطنة تبدأ من الأسرة والمدرسة، من خلال ترسيخ قيم احترام القانون والتضامن والاحترام المتبادل والشعور بالمسؤولية.
وأضاف أن الدولة ومؤسساتها تتوفر على الآليات القانونية والمؤسساتية اللازمة لتنزيل هذه المبادئ وتفعيلها، لكن نجاح هذا الورش يتطلب انخراط جميع مكونات المجتمع.
وأكد أن المواطن عندما يشعر بأنه شريك في البناء المشترك، وأن السلطات والمؤسسات خاضعة للمساءلة والمحاسبة، يصبح أكثر استعدادا للمشاركة الإيجابية في الحياة العامة.
وفي هذا السياق، دعا إلى دفع المواطنين إلى أقصى حد ممكن نحو إنتاج القيمة، معتبرا أن إسهام كل فرد في مجاله، وتكامل أدوار مختلف الفاعلين، يمكن أن ينتج قيمة مضافة وطنية تساعد على مواجهة الإشكالات الكبرى التي تواجه المغرب.
وربط ذلك بقضايا العدالة المجالية، وإشكالات الشباب، والهشاشة والتشغيل، وغيرها من الملفات الاجتماعية التي تحتاج إلى إجابات جماعية ومتكاملة.
وأكد أن هناك ترابطا وثيقا بين الممارسة الديمقراطية والاهتمام بتدبير الشأن العام والدينامية التنموية، معتبرا أن التنمية لا يمكن أن تنفصل عن الإنسان، وأن الاستثمار في الرأسمال البشري يمثل أساسا لأي مشروع وطني ناجح.
*الشباب والنساء في صلب العمل الحزبي*
وانتقل بلفقيه إلى الحديث عن مشاركة الشباب والنساء في الحياة السياسية والحزبية، مشيرا إلى أن حزب الأصالة والمعاصرة راكم تجربة في هذا المجال.
واعتبر أن تجربة فاطمة الزهراء المنصوري، التي دخلت الحزب وهي شابة وتولت مسؤوليات حزبية وانتخابية، تعكس إمكانية فتح المجال أمام الأجيال الجديدة لتولي المسؤولية.
وأوضح أن الحزب عمل على فتح أبوابه أمام الشباب ومنحهم فرصاً للمشاركة وتحمل المسؤولية، معتبرا أن هذا التوجه ينسجم مع المبادئ الموجهة لحزب الأصالة والمعاصرة، وفي مقدمتها التفاعل مع الشباب وتبني قضايا المرأة وتعزيز حضورها داخل المجتمع وفي العمل السياسي.
*مشاركة الشباب في الانتخابات إشكال يتجاوز الأحزاب*
وبخصوص مشاركة الشباب في الانتخابات، أقر بلفقيه بأن الأمر يمثل إشكالا حقيقيا، لكنه شدد على أن هذا الإشكال يتجاوز حدود الأحزاب ليصبح قضية مجتمعية عامة.
وقال إن النقاش يجب أن يشمل علاقة الفاعل الانتخابي بالفاعل السياسي والفاعل التنظيمي، باعتبار أن هذه المستويات الثلاثة تؤثر بشكل مباشر في العمل الحزبي.
وأكد أن الانتخابات ليست مجرد عملية تقنية، وإنما هي فعل سياسي ومجتمعي متكامل، مشير إلى أن هذا الموضوع يظل مفتوحا على نقاش واسع ومتواصل.
وتوقف كذلك عند الإكراهات المادية التي تواجه عددا من المرشحين، خصوصا الشباب، في تدبير الحملات الانتخابية، موضحا أن الحملات الانتخابية تتطلب إمكانات وموارد مهمة، وهو ما قد يشكل عائقا أمام بعض الطاقات الشابة الراغبة في خوض المنافسة.
*تقييم آليات دعم النساء والشباب*
وبخصوص المبادرات الرامية إلى دعم مشاركة النساء والشباب، دعا بلفقيه إلى تقييم هذه التجارب بشكل موضوعي لمعرفة مدى نجاعتها، وما إذا كانت تحقق النتائج المرجوة، وما إذا كان بالإمكان تحقيق تمثيلية أكبر بوسائل وإمكانات أكثر فعالية.
وأكد أن حزب الأصالة والمعاصرة يراهن على تعزيز حضور النساء والشباب، مشيرا إلى أن الحزب رشح عددا مهما من النساء، وهو ما ينسجم، مع المبادئ التي يقوم عليها الحزب والمتعلقة بتعزيز حضور المرأة في المجتمع والعمل السياسي.
وأضاف أن الحزب يولي أهمية كذلك لمشاركة الشباب، معتبرا أن الواقع يفرض تطوير هذه المشاركة وتوسيعها، بما يجعل الحضور الشبابي أكثر فعالية داخل المؤسسات المنتخبة والهياكل الحزبية.
*قضايا الشباب مسؤولية مشتركة*
وختم بلفقيه بالتأكيد على أن ملف الشباب يحتاج إلى وقفة كبيرة من مختلف الفاعلين، لأن قضايا البطالة والتكوين والتوجيه والإدماج والهشاشة وغيرها من الإشكالات التي تواجه هذه الفئة لا يمكن أن تجد طريقها إلى الحل من خلال طرف واحد.
وشدد على أن مسؤولية بناء جيل جديد قادر على تحقيق تطلعات المغرب هي مسؤولية مشتركة بين الدولة والأحزاب والمؤسسات والمجتمع والأسرة، داعياً إلى العمل من أجل أن تكون الأجيال الجديدة أفضل من سابقاتها.

واعتبر أن الرهان الحقيقي يتمثل في تحويل الشباب من مجرد فئة مستهدفة بالسياسات العمومية إلى شريك في إنتاجها وتقييمها، وفي توفير الشروط التي تمكنه من الإسهام في التنمية وصناعة القرار.
وأكد أن بناء مغرب أكثر عدالة وتنمية وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل يمر عبر تعبئة جميع المواطنين، وإشراكهم في البناء المشترك، وتقوية الثقة في المؤسسات، وتجديد أدوار الأحزاب السياسية، وجعل المشاركة المواطنة ممارسة مستمرة وليست مجرد محطة انتخابية موسمية.
مراد بنعلي