من المحاماة والعمل التشريعي إلى قيادة منظمة نساء الأصالة والمعاصرة، مسار سياسي وتنظيمي يدخل محطة جديدة بتعيينها وزيرة منتدبة لدى رئيسة الحكومة.
يشكل تعيين قلوب فيطح وزيرة منتدبة لدى رئيسة الحكومة، مكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، من طرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس، يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، محطة جديدة في مسار سياسي ومهني جمع بين الممارسة القانونية والعمل البرلماني والمسؤولية الحزبية، وارتبط في جانب مهم منه بقضايا الحقوق والمشاركة السياسية وتمكين النساء.
ولا ينفصل هذا التعيين عن المسار الذي راكمته داخل حزب الأصالة والمعاصرة، سواء من خلال مسؤوليتها على رأس منظمة نساء الحزب، أو عبر حضورها في المؤسسة التشريعية واشتغالها على ملفات تتصل بالعدل والتشريع وحقوق الإنسان، كما يضعها في موقع حكومي تتقاطع اختصاصاته مع جانب من تجربتها السابقة، بالنظر إلى طبيعة العلاقة بين البرلمان والحكومة، وإلى الدور الذي يضطلع به المجتمع المدني في الحياة المؤسساتية.
من هذا المنطلق، يقدم مسار قلوب فيطح نموذجا لتجربة انتقلت بين ثلاثة فضاءات متكاملة في العمل العام؛ المهنة القانونية، والممارسة السياسية والبرلمانية، ثم المسؤولية التنظيمية والحكومية.
من التكوين القانوني إلى الممارسة المهنية
تعود البدايات المهنية لقلوب فيطح إلى مجال المحاماة، الذي شكل مدخلها إلى الاشتغال على القضايا القانونية والحقوقية، فقد انطلقت مسيرتها المهنية سنة 2003، حين سجلت بجدول المحامين المتمرنين بهيئة طنجة، قبل أن تصبح محامية رسمية سنة 2006.
كما حصلت على ماستر في العلوم الجنائية والدراسات الأمنية، وهو تكوين يرتبط بمجالات القانون والعدالة والضمانات المؤسساتية، ويشكل خلفية معرفية لمسارها اللاحق في العمل البرلماني.
وتتيح هذه الخلفية قراءة جانب من تجربتها السياسية من زاوية العلاقة بين القانون والممارسة العمومية؛ فالمحاماة تضع المشتغل بها أمام قضايا الحقوق والحريات وآليات الحماية القانونية، فيما يفتح العمل التشريعي مجالا أوسع للإسهام في النقاش حول القواعد القانونية والسياسات التي تؤطر حياة المواطنين.
ومع انتقالها إلى العمل السياسي، أصبحت هذه التجربة المهنية جزءا من مسار متعدد المستويات، يجمع بين الترافع داخل المؤسسات، والمشاركة في النقاش العمومي، وتحمل المسؤولية داخل التنظيم الحزبي.
المؤسسة التشريعية.. فضاء للترافع عن الحقوق
خلال الولاية التشريعية 2021- 2026، اشتغلت قلوب فيطح ضمن الفريق النيابي لحزب الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، وارتبط اسمها بعضوية لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات، إلى جانب المشاركة في مجموعات عمل موضوعاتية.
ومن بين الملفات التي حضرت في تجربتها البرلمانية قضايا المساواة والمناصفة، ومحاربة العنف ضد النساء، وتقييم شروط تطبيق القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، كما شمل نشاطها تقديم أسئلة كتابية بشأن عدد من القضايا الاجتماعية والاقتصادية والخدماتية.
ويكشف هذا التنوع عن اتساع مجالات اشتغالها داخل المؤسسة التشريعية، حيث تلتقي القضايا الحقوقية مع الأسئلة المرتبطة بالتنمية والخدمات والسياسات العمومية، كما يبرز أهمية العمل البرلماني باعتباره فضاء للترافع والمساءلة، ومتابعة مدى استجابة البرامج الحكومية للاحتياجات المطروحة.
وفي ملف العنف ضد النساء، تبرز أهمية الربط بين النص القانوني وواقع تطبيقه؛ إذ لا تتوقف فعالية التشريعات عند المصادقة عليها، بل ترتبط كذلك بآليات التنفيذ، والتنسيق بين المؤسسات المعنية، وإمكانية ولوج الضحايا إلى الحماية والإنصاف.
ومن هنا، تكتسب التجربة البرلمانية لفيطح دلالتها ضمن مسارها العام، بالنظر إلى تقاطعها مع قضايا حقوق الإنسان والمساواة، وهي ملفات واصلت الاشتغال عليها من خلال مسؤوليتها التنظيمية داخل منظمة نساء الأصالة والمعاصرة.
قيادة منظمة نساء الأصالة والمعاصرة
في 20 ماي 2023، انتخبت قلوب فيطح رئيسة لمنظمة نساء الأصالة والمعاصرة خلال المؤتمر الوطني للمنظمة، لتتولى مسؤولية تأطير العمل النسائي داخل الحزب، وتطوير حضوره التنظيمي والترافعي في القضايا المرتبطة بمشاركة النساء في الحياة العامة.
وتتجاوز طبيعة هذه المسؤولية تدبير الهياكل التنظيمية أو تنظيم اللقاءات التواصلية؛ فهي ترتبط كذلك بتوسيع قاعدة انخراط النساء، وتأهيل الكفاءات الراغبة في ممارسة العمل السياسي، ومواكبة المنتخبات في تحمل مسؤولياتهن داخل المؤسسات المحلية والجهوية والوطنية.
وفي عدد من تدخلاتها، شددت فيطح على أهمية الانتقال من التمثيلية العددية للنساء إلى المشاركة الفعلية في صناعة القرار، وهي مقاربة تضع التأطير والتكوين ضمن الأدوات الأساسية لتقوية الحضور النسائي، إلى جانب مواصلة الترافع من أجل تكافؤ الفرص وتجاوز العوائق التي تحد من المشاركة السياسية.
ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في سياق تتداخل فيه تحديات المشاركة الانتخابية مع متطلبات تدبير الشأن العام، حيث تحتاج المنتخبة إلى معرفة المساطر القانونية، وآليات اشتغال المؤسسات، وأدوات إعداد المقترحات ومتابعة السياسات العمومية، فضلا عن القدرة على التواصل والترافع بشأن انتظارات المواطنين.
التمكين بالممارسة.. من التأطير إلى بناء القدرات
من بين المبادرات التي ارتبطت بعمل منظمة نساء الأصالة والمعاصرة، قافلة “التمكين من أجل منتخبة فاعلة، متواصلة ومؤثرة”، التي تروم تطوير قدرات النساء وتعزيز حضورهن داخل المجالس المنتخبة وفضاءات القرار.
وخلال المحطة الثانية للقافلة، التي احتضنتها جماعة المجاعرة بإقليم وزان في 10 يناير 2026، أكدت فيطح أهمية تأهيل المنتخبات وتزويدهن بالأدوات التي تساعدهن على ممارسة أدوارهن داخل المؤسسات بفعالية أكبر.
وتستند أهمية هذه المبادرات إلى أن الوصول إلى المؤسسات المنتخبة لا يمثل نهاية مسار المشاركة السياسية، بل بداية مرحلة جديدة تتطلب الإلمام بالاختصاصات القانونية، وآليات التدبير، وطرق الترافع عن القضايا المحلية، ومتابعة تنفيذ القرارات والبرامج.
كما يتيح التكوين تقوية قدرة النساء على الانتقال من المشاركة في النقاشات العامة إلى المساهمة في صياغة الأولويات والمقترحات، بما يعزز حضورهن في تدبير الشأن العام.
وفي هذا الإطار، تندرج المبادرات التكوينية ضمن الجهود الرامية إلى جعل التمكين النسائي ممارسة مستمرة، لا مجرد شعار مرتبط بالمناسبات أو الاستحقاقات الانتخابية.
المساواة ومناهضة العنف.. امتداد للعمل الحقوقي
إلى جانب الترافع البرلماني والتأطير الحزبي، حضرت قضايا الحقوق الرقمية ضمن اهتمامات منظمة نساء الأصالة والمعاصرة، خصوصا ما يرتبط بالعنف الرقمي ضد النساء والفتيات.
وفي يوليوز 2024، شاركت قيادة المنظمة في لقاء مع جمعية التحدي للمساواة والمواطنة لمناقشة مذكرة ترافعية بشأن هذه الظاهرة، وما تثيره من أسئلة قانونية واجتماعية تتعلق بالحماية والإنصاف.
ويطرح العنف الرقمي تحديات تتجاوز الفضاء الإلكتروني، بالنظر إلى انعكاساته على الحياة الخاصة والمشاركة العامة للنساء، وما قد ينتج عنه من أشكال للإقصاء أو الضغط أو المساس بالحقوق، وهو ما يجعل تطوير أدوات التوعية والحماية والترافع بشأن الإطار القانوني جزءا من النقاش الأوسع حول المساواة.
ويبرز هذا الملف تقاطع المسؤولية البرلمانية مع العمل النسائي الحزبي، من خلال الجمع بين النقاش القانوني والتأطير والتواصل مع الفاعلين المدنيين، بما يفتح المجال أمام مقاربات مشتركة لمعالجة القضايا الحقوقية.
من المسؤولية الحزبية إلى المهمة الحكومية
مع تعيينها وزيرة منتدبة لدى رئيسة الحكومة، مكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، تنتقل قلوب فيطح إلى مستوى جديد من المسؤولية المؤسساتية.
وتتصل طبيعة هذا المنصب بملفات تفرض تنسيقا مستمرا بين الحكومة والبرلمان، ومواكبة المسار التشريعي، وتعزيز التواصل مع مكونات المجتمع المدني، وفق الاختصاصات التي يحددها التنظيم الحكومي.
ويمنحها هذا الموقع فرصة لتوظيف ما راكمته من تجربة برلمانية وتنظيمية في مجال يتطلب معرفة بمؤسسات التشريع، وإدراكا لأهمية الحوار والتنسيق بين الفاعلين المؤسساتيين والمدنيين.
وهكذا، يشكل التعيين الملكي محطة جديدة في مسار قلوب فيطح، الذي امتد من الممارسة القانونية إلى البرلمان، ثم قيادة منظمة نساء الأصالة والمعاصرة، وصولا إلى المسؤولية الحكومية، وتبقى قيمة هذه المحطات مرتبطة بما تتيحه من إمكانات لخدمة المؤسسات وتعزيز المشاركة المدنية، وتحويل المبادئ المرتبطة بالمساواة والحقوق إلى عمل مؤسساتي قابل للتتبع والتقييم.
سارة الرمشي