مشروع قانون المالية لسنة 2027: حين تتحول الميزانية إلى اختبار للعدالة الاجتماعية ونجاعة الاختيار الاقتصادي

بقلم دة. جهان الخطابي*

ليست قوانين المالية مجرد جداول للأرقام، ولا وثائق تقنية تحدد مداخيل الدولة ونفقاتها؛ إنها، في جوهرها، تعبير عن فلسفة الحكم، وترجمة عملية لأولويات السياسات العمومية، ومؤشر على طبيعة العلاقة التي تريد الدولة بناءها بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.

ومن هذا المنطلق، يكتسي مشروع قانون المالية لسنة 2027 أهمية خاصة، باعتباره أول مشروع ميزانية للحكومة الجديدة، وامتحانا مبكرا لقدرتها على تحويل التوجهات المعلنة إلى التزامات قابلة للتنفيذ، في سياق تتزايد فيه انتظارات المواطنين بشأن القدرة الشرائية والتشغيل وجودة الخدمات العمومية وتقليص الفوارق المجالية.

من تدبير الموارد إلى إعادة ترتيب الأولويات

تكشف المستجدات المعلنة في المشروع عن توجه يروم الجمع بين دعم الدخل، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتحفيز الاستثمار، ومواصلة الإصلاحات الجبائية. ومن أبرز التدابير المقترحة تخفيف الضريبة على الدخل بصورة تدريجية، والرفع من الحد الأدنى لمعاشات التقاعد، وتحسين الدعم الاجتماعي المباشر، إلى جانب إجراءات تستهدف تخفيف بعض الأعباء الأساسية عن الأسر.

وتكتسي هذه التدابير أهميتها من كونها تمس جوانب مباشرة من الحياة اليومية للمواطنين. غير أن القيمة الحقيقية لأي إجراء مالي لا تقاس فقط بحجم الاعتمادات المرصودة له، بل بمدى وصول أثره إلى الفئات المستهدفة، وبقدرته على تحسين شروط العيش بصورة مستدامة.

فالسياسة المالية الناجعة ليست تلك التي توسع الإنفاق فحسب، بل التي تحسن توجيهه، وتربط الموارد العمومية بنتائج اجتماعية واقتصادية قابلة للقياس.

القدرة الشرائية: ما وراء الزيادة في الدخل

يشكل تخفيف العبء الضريبي عن الأجراء أحد أبرز مداخل المشروع، بما يمكن أن يتيحه من تحسين الدخل الصافي وتعزيز القدرة الشرائية. كما تبرز أهمية التدابير المرتبطة بالمعاشات والدعم الاجتماعي، ولا سيما بالنسبة إلى المتقاعدين والأرامل والأسر ذات الدخل المحدود.

لكن المقاربة الاقتصادية المتكاملة تقتضي التمييز بين زيادة الدخل وتحسين القدرة الشرائية الفعلية، فقد يستفيد المواطن من تخفيض ضريبي أو دعم إضافي، ثم يجد نفسه أمام ارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والنقل والخدمات الأساسية.

لذلك، فإن حماية القدرة الشرائية لا ينبغي أن تظل رهينة التحويلات المالية وحدها، بل يتعين أن تتكامل مع سياسات فعالة لضبط المنافسة، ومحاربة الاحتكار والمضاربة غير المشروعة، وتحسين مسالك التوزيع، وتعزيز الرقابة على الأسواق.

ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي ليس فقط أن يتوفر للمواطن دخل أفضل، بل أن تصبح لهذا الدخل قدرة أكبر على تلبية حاجاته الأساسية وصون كرامته الاقتصادية.

الاستثمار والتشغيل: من حجم الاعتمادات إلى جودة النتائج

يرتبط نجاح مشروع قانون المالية بقدرته على تحريك الاستثمار المنتج، وتوسيع فرص الشغل، وتحسين مناخ الأعمال، ودعم المقاولات، ولا سيما الصغيرة والمتوسطة، باعتبارها من المداخل الأساسية لخلق الثروة ومناصب الشغل.

وفي هذا السياق، يطرح إحداث المناصب المالية الجديدة سؤالا يتجاوز العدد الإجمالي إلى طبيعة توزيعها ومدى استجابتها للحاجيات الفعلية للمرافق العمومية. فالصحة والتعليم والإدارة والخدمات الاجتماعية قطاعات تحتاج إلى موارد بشرية مؤهلة، كما تحتاج إلى توزيع عادل يراعي الخصاص الفعلي وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

ولا يقل أهمية عن ذلك توجيه الاستثمار العمومي نحو مشاريع ذات مردودية اقتصادية واجتماعية واضحة، بما يسمح بالانتقال من منطق الإنفاق إلى منطق الأثر، ومن الإعلان عن المشاريع إلى ضمان إنجازها وتقييم نتائجها.

فالتنمية المستدامة لا تقاس بما يرصد من أموال فقط، بل بما يخلق من فرص، وما يحسن من خدمات، وما يفتح من آفاق أمام الشباب.

العدالة المجالية: الامتحان الحقيقي للتنمية

لا تكتمل العدالة الاجتماعية من دون عدالة مجالية. فالمواطنون لا ينبغي أن تختلف فرصهم في التعليم والصحة والتشغيل والاستثمار باختلاف المجال الذي ينتمون إليه.

ومن ثم، فإن أي قراءة لمشروع قانون المالية يجب أن تستحضر مدى قدرته على تقليص الفوارق بين الجهات والأقاليم، وتوجيه الاستثمار نحو المناطق التي تحتاج إلى بنية تحتية أقوى، وخدمات عمومية أكثر جودة، وفرص اقتصادية أوسع.

وتندرج جهة طنجة- تطوان- الحسيمة، بما تتوفر عليه من مؤهلات اقتصادية وجغرافية وبشرية، ضمن المجالات القادرة على تحقيق قيمة مضافة أكبر للاقتصاد الوطني، شريطة تعزيز التكامل بين البنيات التحتية والاستثمار المنتج والتكوين والتشغيل.

أما إقليم الحسيمة، فإن حاجياته التنموية تستدعي مواصلة الاهتمام بالنقل والبنيات الأساسية، وتوسيع العرض الجامعي والتكويني، وتحفيز الاستثمار المحلي، وتوفير شروط حقيقية لإدماج الشباب في الدورة الاقتصادية.

إن الإنصاف المجالي لا يعني توزيع الاعتمادات بالتساوي الحسابي، بل توجيهها وفق الحاجيات والإمكانات ومؤشرات الخصاص، بما يضمن تكافؤ الفرص بين المواطنين والمجالات الترابية.

المالية العمومية بين الطموح والاستدامة

مهما بلغت أهمية الالتزامات الاجتماعية، فإن تنفيذها يظل مرتبطا بقدرة الدولة على تعبئة الموارد والحفاظ على التوازنات المالية. وهنا تبرز ضرورة تحقيق معادلة دقيقة بين تمويل الأولويات الاجتماعية، وتحفيز الاستثمار، والتحكم في المديونية، وتحسين نجاعة الإنفاق العمومي.

ولا تعني المحافظة على التوازنات المالية التضييق على الحاجيات الاجتماعية، كما أن توسيع الإنفاق لا يمثل، في حد ذاته، ضمانة لتحقيق التنمية. المطلوب هو بناء سياسة مالية تجعل كل درهم من المال العام أكثر قدرة على إنتاج قيمة اقتصادية واجتماعية.

ويقتضي ذلك تعزيز الحكامة، وتقييم البرامج العمومية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوسيع الشفافية بشأن كيفية تخصيص الاعتمادات ومستوى تنفيذها والنتائج المحققة بفضلها.

فالمال العام ليس مجرد مورد محاسباتي، بل أمانة مؤسساتية تفرض حسن التدبير، ووضوح الأولويات، والحرص على تحقيق المصلحة العامة.

بين الاختيار الحكومي والرقابة البرلمانية

يشكل مشروع قانون المالية أيضا لحظة سياسية ومؤسساتية بامتياز، فهو يتيح للأغلبية الحكومية عرض اختياراتها وترجمتها إلى تدابير مالية، كما يمنح المعارضة والبرلمان عموما فرصة فحص الفرضيات والتكاليف والآثار المتوقعة، واقتراح البدائل.

ولا ينبغي أن يتحول النقاش حول المشروع إلى مواجهة بين خطابين متعارضين فحسب، بل إلى نقاش مسؤول حول جدوى السياسات العمومية، ومصادر تمويلها، ومدى استجابتها للانتظارات المجتمعية.

فالحكومة مطالبة بتوضيح التزاماتها وضمان قابلية تنفيذها، والبرلمان مطالب بممارسة رقابة جادة تستند إلى الأرقام والحجج والبدائل، والمجتمع المدني والإعلام مدعوان إلى الإسهام في تعزيز الشفافية وتقييم النتائج.

وبذلك تصبح مناقشة الميزانية ممارسة ديمقراطية تتجاوز المصادقة على الأرقام إلى مساءلة الاختيارات التي تحدد حاضر المجتمع ومستقبله.

خاتمة: المعيار هو ما يتغير في حياة المواطن

إن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يضع أمام المغرب فرصة لتقوية الصلة بين النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وبين الاستثمار المنتج وتحسين الخدمات العمومية، وبين التوازنات المالية ومتطلبات الدولة الاجتماعية.

غير أن نجاح هذه التوجهات لن يحسم بمجرد الإعلان عنها، بل بمدى تنفيذها، وعدالة توزيع آثارها، ووضوح نتائجها، وقدرتها على الاستجابة للحاجيات الحقيقية للمواطنين.

وفي المحصلة، لا تكمن قوة الميزانية في حجم أرقامها وحده، بل في قدرتها على تحويل الموارد إلى فرص، والاعتمادات إلى خدمات، والالتزامات إلى نتائج ملموسة.

فالميزانية الناجحة ليست فقط تلك التي تحافظ على توازن مالية الدولة، بل تلك التي تجعل هذا التوازن رافعة لتحسين حياة المواطنين، وتوسيع فرصهم، وتعزيز الثقة في المؤسسات.

*نائب رئيس مجلس جهة طنجة- تطوان- الحسيمة

Scroll to Top

تشكيلة المكتب التنفيذي لنساء البام

الاسم الكامل الصفة الإقليم
قلوب فيطح رئيسة منظمة نساء البام وطني
نادية بزندفة النائبة الأولى وطني
سميرة صالح بناني النائبة الثانية درعة تافيلالت
فاطمة الطوسي أمينة المال وطني
لبنى أكنشيش نائبة أولى وطني
ابتسام حرمة نائبة ثانية وطني
دنيا ودغيري مقررة الرباط
أسماء بركيطة نائبة أولى الرباط
لالة إسلام باداد نائبة ثانية الرباط

تشكيلة المكتب التنفيذي لنساء البام

الاسم الكامل الصفة الإقليم
قلوب فيطح رئيسة منظمة نساء البام وطني
نادية بزندفة النائبة الأولى وطني
سميرة صالح بناني النائبة الثانية درعة تافيلالت
فاطمة الطوسي أمينة المال وطني
لبنى أكنشيش نائبة أولى وطني
ابتسام حرمة نائبة ثانية وطني
دنيا ودغيري مقررة الرباط
أسماء بركيطة نائبة أولى الرباط
لالة إسلام باداد نائبة ثانية الرباط
غشت 2008
تأسيس الحزب وانتخاب السيد حسن بنعدي أمينا عاما
20-22 فبراير 2009
انعقاد المؤتمر الوطني الأول لحزب الأصالة والمعاصرة، تحت شعار: "السياسة بأخلاق أخرى"، وانتخاب السيد الشيخ بيد الله أمينا عاما
17-19 فبراير 2012
انعقاد المؤتمر الوطني الثاني، تحت شعار: "معاً . . لربح الرهانات"، وانتخاب السيد مصطفى بكوري أمينا عاما للحزب
22-24 يناير 2016:
انعقاد المؤتمر الوطني الثالث، تحت شعار: "مغرب الجهات: انخراط واع ومسؤول"، وانتخاب السيد إلياس العمري أمينا عاما للحزب
2018
انعقاد دورة استثنائية للمجلس الوطني للحزب، وانتخاب السيد حكيم بنشماش أمينا عاما
7-9 فبراير 2020
انعقاد المؤتمر الوطني الرابع، تحت شعار: "المغرب للجميع"، وانتخاب السيد عبد اللطيف وهبي امينا عاما للحزب
19-20 ماي 2023
انعقاد المؤتمر الوطني التأسيسي لمنظمة نساء حزب الأصالة والمعاصرة، تحت شعار: "التمكين الشامل للمرأة أساس التنمية والمساواة"، وانتخاب السيدة قلوب فيطح رئيسة للمنظمة
9-11 فبراير 2024
انعقاد المؤتمر الوطني الخامس للحزب، تحت شعار: "تجديد الذات الحزبية لضمان الاستمرارية"، واختيار صيغة القيادة الجماعية لأول مرة في المغرب
دجنبر 2024
الانضمام إلى منظمة الليبرالية العالمية
26-27 شتنبر 2025
انعقاد المؤتمر الوطني الثاني لمنظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، تحت شعار: "شبابٌ يقُودُ، أملٌ يعُودُ"، وانتخاب السيد صلاح الدين عبقري رئيسا للمنظمة